ترى الكاتبة جابي تيخيدا أن الاقتصاد غير المشروع للذهب أصبح أحد أبرز محركات الحرب في السودان، بعدما تحول إلى مصدر رئيسي لتمويل العمليات العسكرية وتوسيع نفوذ الأطراف المتحاربة. وتوضح أن حملات مكافحة التعدين غير القانوني التي نفذتها السلطات المصرية على الحدود مع السودان تعكس تصاعد المخاوف الإقليمية من امتداد تداعيات اقتصاد الحرب إلى دول الجوار.


ويشير مركز صوفان إلى أن مصر كثفت إجراءاتها الأمنية على حدودها الجنوبية بعد توقيف مئات الأشخاص وضبط معدات تستخدم في التعدين والتهريب، في وقت تواجه فيه تدفقات كبيرة من اللاجئين السودانيين. ويرى المركز أن توسع شبكات التعدين غير المشروع والتهريب يهدد أمن شمال وشرق أفريقيا، وقد يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة لاستغلال حالة الفراغ الأمني.


الذهب يتحول إلى شريان لتمويل الحرب

 


يستعرض التقرير المكانة الاقتصادية التي يحتلها الذهب في السودان منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، عندما فقدت الخرطوم معظم احتياطياتها النفطية واتجهت إلى الذهب باعتباره المصدر الرئيسي للإيرادات. ويؤكد أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع انخرطتا في تجارة الذهب قبل اندلاع الحرب، لكن الصراع الدائر منذ عام 2023 ضاعف اعتماد الطرفين على التعدين والتهريب لتمويل العمليات العسكرية والحفاظ على شبكات النفوذ.


ويلفت التقرير إلى أن الذهب وفر نحو سبعين في المئة من الإيرادات الوطنية خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، بينما صدّرت الحكومة رسميًا جزءًا محدودًا فقط من الإنتاج الفعلي، وهو ما يعكس الحجم الكبير للتجارة غير المشروعة.


ويضيف أن التعدين الأهلي صغير النطاق يمثل النسبة الأكبر من إنتاج الذهب، وأن قوات الدعم السريع تعتمد عليه بصورة واسعة، مستفيدة من علاقاتها التاريخية بالقبائل العربية المنتشرة على الحدود مع جنوب السودان، إضافة إلى الروابط العائلية لقائدها محمد حمدان دقلو "حميدتي" بمناطق التعدين هناك.


شبكات التهريب توسع دائرة المخاطر الإقليمية

 


يشير التقرير إلى أن قوات الدعم السريع أحكمت سيطرتها على مناطق غنية بالذهب في ولايات دارفور وكردفان، كما سيطرت على طرق النقل التي تربط مواقع التعدين بمسارات التهريب، وهو ما وفر لها العملات الأجنبية اللازمة لشراء الأسلحة واستمرار العمليات العسكرية.


ولا تقتصر آثار التعدين الأهلي، بحسب التقرير، على تمويل الصراع، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والبيئية. فقد دفع انهيار الاقتصاد ونزوح ملايين السودانيين أعدادًا كبيرة من السكان إلى العمل في التعدين باعتباره مصدر الدخل الوحيد، بينما يعمل نحو مليوني شخص في هذا القطاع وسط غياب الرقابة والتنظيم.


ويؤكد التقرير أن ظروف العمل داخل المناجم تعرض العمال للاستغلال والعمل القسري والتجنيد في الجماعات المسلحة، كما يؤدي استخدام الزئبق والسيانيد إلى تلوث مصادر المياه وتدهور التربة والقضاء على الغطاء النباتي، فضلًا عن انتشار أمراض خطيرة نتيجة استنشاق الأبخرة السامة.


اقتصاد الحرب يعيد تشكيل أمن المنطقة

 


يرى التقرير أن القيمة الحقيقية للذهب السوداني تكمن في شبكات التهريب العابرة للحدود، إذ تسمح الحدود المفتوحة وضعف مؤسسات الدولة بانتقال الذهب عبر مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى قبل وصوله إلى الأسواق العالمية. كما يشير إلى أن تقارير دولية رصدت وصول كميات كبيرة من الذهب السوداني إلى دولة الإمارات، رغم صعوبة تحديد الحجم الحقيقي للتجارة غير المشروعة بسبب تعقيد سلاسل الإمداد.


ويحذر التقرير من أن هذه الشبكات لا تقتصر على تهريب الذهب، بل تتداخل مع تجارة الأسلحة والمخدرات وتهريب البشر وغسل الأموال، الأمر الذي يحرم السودان من موارد مالية ضرورية لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات العامة.


ويختتم التقرير بالتأكيد على أن استمرار الحرب يمنع أي إصلاح حقيقي لقطاع التعدين، لأن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تستفيدان من بقاء الوضع الحالي. ويرى أن حملة الاعتقالات الأخيرة في مصر تعكس إدراكًا متزايدًا لدى دول الجوار بأن اقتصاد الحرب السوداني لم يعد قضية داخلية، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن الإقليمي، مع تزايد احتمالات استغلال الجماعات الإرهابية والتنظيمات الإجرامية لحالة الفوضى القائمة وتوسيع أنشطتها عبر الحدود.

 

https://thesoufancenter.org/intelbrief-2026-july-2/